حقوق الأندلس على المغاربة.

بقلم هشام زليم.
في خضم الحراك السياسي الذي تشهده المملكة المغربية بعد الخطاب التاريخي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في التاسع من مارس 2011, تعالت الأصوات المنادية بدسترة المكون الأندلسي كجزء من الهوية المغربية و إعادة الاعتبار للثقافة الأندلسية عبر إنشاء معهد ملكي للثقافة الأندلسية يرعى شؤونها و يحفظها من الاندثار.
إن مسألة دسترة الهوية الأندلسية كمكون أساسي من مكونات الأمة المغربية, إلى جانب الأمازيغية و العربية, هو أمر يجب التوقف عنده مليا قبل إصدار الأحكام المسبقة, المسفِهة و المحتقِرة.
لا يشك أي مغربي في مدى الترابط الكبير بين المغرب و الأندلس منذ القدم, ترابط وصل حد الانصهار و شكلت الجغرافية أهم عوامله, فالمغرب أقرب إلى الأندلس من باقي أوربا, ذلك أن عبور مضيق أسهل عشرات المرات من عبور سلسلة جبال, مما سهل التواصل على الدوام بين سكان الضفتين منذ آلاف السنين, و يفسر سرعة اعتناق الأندلسيين لدين الإسلام مباشرة بعد اعتناق المغاربة له, مع العلم أن 200 سنة لم تكف الإمبراطورية الرومانية, قبل ذلك, لفرض الكاثوليكية على الشعب الأندلسي ! لقد كان المغاربة و الأندلسيون جسدا واحدا, حتى في أعين المؤرخين المشارقة و الأوربيين, فالأولون أطلقوا عليهما المغاربة, و الآخرون نعتوهم جميعا بالموروس.
و قد كان تاريخ المغرب و الأندلس, بعد ذلك, انعكاسا لهذا الانصهار, فكانت الدولة الأموية بالأندلس و التابعة لعبد الرحمان الداخل أول سلطة سياسية تجمع ضفتي المضيق تحت سلطانها, ثم تلتها الإمبراطوريات المرابطية و الموحدية ثم المرينية, قبل أن يضعف سلطان المغرب, و الأندلس, إذاك, في أمس الحاجة إليه لتكالب القشتاليين و المرتزقة الأوربيين عليها من كل حدب و صوب. رغم الظروف الصعبة, استطاعت الإمارة المسلمة المحاصرة بغرناطة الصمود طيلة قرنين بفضل مقاومة أهلها, حكمة أمرائها و انضمام آلاف المغاربة للمرابطة هناك. لكن كان قدر الأندلس السقوط نهائيا سنة 1492م بتسليم غرناطة, ففُصل المغرب, إلى حين, عن أندلسه و الأندلس عن مغربه. فقررت طائفة كبيرة من الأندلسيين الانتقال إلى المغرب فرارا بدينهم من التنصير الإجباري الذي أقره الملوك الكاثوليك, و استمرت هذه الهجرات على خلسة من محاكم التفتيش إلى سنة 1609م حين قرر ملك إسبانيا فليبي الثالث طرد جميع المورسكيين –الأندلسيون المسلمون باطنا و النصارى ظاهرا- من إسبانيا فرُحِّل عشرات الآلاف منهم إلى المغرب و توزعوا على مدنه و قراه فأحيوا قرى ماتت و بعثوا مدنا كاد يطويها النسيان.
وصول الأندلسيين-المورسكيين إلى المغرب, لا يجب أن يعتبر هجرة من وطن إلى وطن, و إنما هجرة داخل نفس الوطن. لأن الأندلسيين-المورسكيين لما حطوا رحالهم في المغرب وجدوا طائفة كبيرة من الأندلسيين سكنت المغرب قبل سقوط الحواضر الإسلامية بالأندلس, و وجدوا الثقافة الأندلسية منتشرة و قد تشربها المغاربة منذ قرون. يقول الأستاذ محمد بن شريفة: " إن الصلات بين المغرب الأقصى و الأندلس قديمة ترقى إلى التاريخ القديم, و هي صلات فرضتها طبيعة الجوار و أملتها المعطيات الجغرافية…" و يتابع: "فمن المعروف أن الأندلس بعد فترة الطوائف قد اندمجت في الإمبراطورية المرابطية و الموحدية, أي خلال أكثر من ثلاثة قرون, كما أن دولة بني نصر في مملكة غرناطة لم يكن لها أن تكون لولا بنو مرين, و قد كان لهذا الاندماج آثار لا تُحصى و لا تُعد في الأندلس و المغرب, و تم تفاعل كبير بين البلدين و الشعبين في مختلف المجالات, و كثر التزاور و التنقل بين العدوتين, و وقعت هجرات متعددة مع تغير في ناموس الهجرة, إذ أن اتجاه الهجرة أصبح من الأندلس إلى المغرب بعد أن كانت الهجرة في القرون الأولى تتجه من المغرب إلى الأندلس و يمكن تكوين فكرة عن هذه الهجرات من تتبع الأعداد الهائلة من العلماء الأندلسيين الذين انتقلوا إلى مراكش و فاس و غيرهما, و ذلك من خلال كتب التراجم, و ظلت وتيرة الهجرة من الأندلس إلى المغرب في تزايد إلى أن بلغت نهايتها القصوى بعد جلاء المسلمين من الفردوس المفقود”.
"و قد ظهر أثر ذلك كله في النواحي الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية سواء في الأندلس أو في المغرب, و مازلنا في المغرب إلى يومنا هذا نلحظ مظاهر ذلك التواصل الذي كان بين المغرب و الأندلس رغم مرور قرون على نهاية الأندلس. و ما تزال آثار مادية و معنوية مغربية في إسبانيا إلى اليوم شاهدة على الوجود المغربي الذي كان هناك, و تعدادها مما لا تتسع له هذه الكلمة, و ما يزال كذلك تراث الأندلس محفوظا و مستمرا في المغرب, تمثله الأسر الأندلسية الأصل في عدد من الحواضر و القرى, و نراه في العمارة و الموسيقى و الطبخ و غيرهما من رقائق الحضارة… , و قد امتزج هذا التراث الأندلسي بالتراث المغربي فأصبحا تراثا مركبا تركيبا مزجيا.
و أما تفاعل المغرب و الأندلس في مجال العلوم و الآداب فحدث عن البحر و لا حرج". انتهى كلام الأستاذ بنشريفة. (1)
أما شهيد قرطبة الدكتور علي المنتصر الكتا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ